|
تفسير الاية رقم (86) من سورة البقرة
 |
|
 |
|
(ولقد آتينا موسى الكتاب)
قضية أن يؤتى أحد من رسل الله كتابا قضية عظيمة مذهلة وحدث عالمي هائل لأن في هذا الكتاب سر خلود أمته ومجدها فهو وحي معصوم من الخطأ وهو بيان شاف كاف بكل ما تحتاجه هذه الأمة فلا يظن ظان أن في قوله تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب ) مجرد خبر بل هو خبر له إيحاء ودلالة ومعنى فأي شرف أعظم من أن يختار الله عبدا من عباده؟ ثم ينزل عليه كتابا هكذا على الإطلاق حتى كأنه لا كتاب سواه وفي هذا تقرير لبني إسرائيل وتوبيخ لهم وتذكير لخلفهم بما فعل سلفهم من تكذيب بكتاب موسى صلى الله عليه وسلم واختلاف فيه فإذا كذبوا كتاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم قد كذبوا كتاب موسى فهذه سيرتهم وصفتهم فتبا لهم فمحمد صلى الله عليه وسلم يدعو لما دعا إليه موسى عليه السلام.
(وقفينا من بعده بالرسل)
فحجج الله تترا ببعثة رسله لإصلاح البشرية وعمار العالم ونجاة الناس وإسعاد الإنسان وواجب علينا في آخر عمر الدنيا أن نؤمن بهؤلاء الرسل جميعا وأنهم صادقون أدوا أمانتهم وبلغوا دعوتهم ونصحوا أمتهم فجزاهم الله خير الجزاء على جهادهم ونصحهم وكمال استقامتهم وعظيم بذلهم فالرسل عليهم السلام هم صفوة الخليقة وهم النهاية في الطهر والنبل والصلاح.
(وآتينا عيسى ابن مريم البينات)
وذكر عيسى عليه السلام بعد ذكر الرسل وهو منهم لأنه من أولي العزم ولأنه حجة قاطعة على بني إسرائيل وقد شرفه الله بالآيات البينات وهي ما في الإنجيل من تفصيل عما أجمل في التوراة وقيل : هي ما اختصه الله به من إبراء للأكمه والأبرص وإحياء للموتى بإذن الله وغير ذلك من الآيات الباهرات والله أرسل رسله بالآيات البينات والحجج القاطعات ولم يرسل بالسيوف المصلتات.
وفيه دليل على عظم قدر الحجة ومكانة الكلمة وسمو البيان فإن الحجة الصادقة الناصعة تفعل في القلوب ما لا تفعله الجيوش في المدن لأن القلب ينقاد للحجة ما لا ينقاد للسيف والسوط وهذا فيه تنبيه لكل من دعا إلى الله تعالى أن يهتم بالبرهان ونصاحة الحجة وفصاحة المنطق وقوة الأسلوب وجاذبية الكلمة (وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا)
(وأيدناه بروح القدس)
الظاهر من كلام أهل العلم أن روح القدس هنا هو جبريل عليه السلام وقد ذكر ذلك بالقرآن قال تعالى: (نزل به الروح الأمين) وقال: (تنزيل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) وتأييده لعيسى عليه السلام بالوحي من عند الله تعالى هو أعظم تأييد وأجل شرف فإنه القوة المعنوية والحسية التي ينتصر بها النبي ويحقق غاية الفلاح لأمته والنجاح لدعوته وجبريل أمين السماء وكل رسول في وقته أمين الأرض في ذلك الزمن وجبريل صفوة الله من ملائكته للرسالة وأمانة الوحي والرسول صفوة الله من عباده للرسالة والبلاغ.
(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)
بنو إسرائيل يدعون أنهم ردوا رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوافق ما عندهم وهذا غاية الكذب فها هم كذبوا رسلهم أصلا قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وها هم استكبروا على الحق ورفضوا الهدى وقتلوا أنبياء الله عز وجل فأعذارهم في عدم متابعة رسولنا مردودة وحجتهم في الكفر بكتابنا مرفوضة وهؤلاء القوم لا يتبعون إلا هوى أنفسهم فحسب فهم عبدة هوى (أرأيت من أتخذ إلهه هواه) وهم مستكبرون لا ينقادون إلى حق ولا يقبلون هدى ثم هم أكثر العالمين جرما فهم قتلوا فريقا من الأنبياء وكذبوا فريقا وإذا بلغت أمة إلى درجة أن تقتل نبيها فماذا تنتظر قبل اللعنة الماحقة والغضبة الساحقة والنكال الوبيل؟ وإن أشنع وصف يلصق على جباه بني إسرائيل ليكون وصمة عار وشنار إنما هو قتلة الأنبياء وكفى بهذا شناعة وفظاعة. |
|
 |
|
 |
|