|
تفسير الاية رقم (85) من سورة البقرة
 |
|
 |
|
(أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون)
هؤلاء القوم استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة وفضلوا الحياة الرخيصة المنقطعة المنغصة على الحياة الغالية الدائمة المنعمة.
وهؤلاء لضعف إدراكهم وقلة تمييزهم ورداءة معرفتهم وسوء اختيارهم رجحوا رياسة الدنيا وحطامها الفاني ومغرياتها وزخرفها على النعيم الدائم والخلود الأبدي والبقاء السرمدي.
وهي صفقة خاسرة صاحبها مغبون أعظم الغبن فكل من أرضى الناس بسخط الله فقد اشترى الحياة الدنيا بالآخرة وكل من ترك شيئا من دينه ليحصل على متاع الدنيا أو مناصبها أو جاهها فقد اشترى الدنيا بالآخرة .
فمن الناس من يرتشي في الحكم ويأكل السحت لقلة إيمانه وضحالة يقينه تقديما للعاجلة على الآخرة.
ومنهم من يفتي بالزور ويكذب في القول ويشهد بالباطل إيثارا للدنيا الدنية على الآخرة الرضية.
ومنهم من يسعى للرئاسة الخسيسة في الدنيا بسفك الدماء ونهب الأموال واستحلال الحرمات وتعد للحدود طلبا للدنيا وبيعا للآخرة فمن فسد من العلماء فغش في علمه وبهرج في بضاعته وأدخل الزيف في تعلمه وتعليمه إنما فعل ذلك ليحصل على دنيا تافهة حقيرة يبيع بها الدار الآخرة ومن فسد من العباد بترك الجادة ومخالفة الدليل وركوب البدعة والمراءاة في العبادة وحب السمعة والرياء والصدارة في الناس إنما فعل ذلك لهيامه في الدنيا وحبه لها وولهه عليها وافتتانه بها ومن فسد من أهل المناصب بظلم الناس والعلو في الأرض والإفساد فيها وإهدار الحقوق والحيف في الحكم إنما فعل ذلك لما تمكن في قلبه من شغف الدنيا وخدمة لها وحرص على لذائذها وشهواتها ومغرياتها .
فإذا اشترى العالم الحياة الدنيا بالآخرة رق دينه وتنمر على عباد الله وأصر على خطئه وغضب على من رد عليه وأحب كثرة الجموع وحرص على المديح وجلب الثناء واصطاد المال من كل وجه وأغرق في التنعم وطلب الشهرة وأسرع في الفتيا وجد في نيل المناصب والوجاهة حينها يصاب بقسوة القلب ويسلب لذة الطاعة وحلاوة العبادة ونور العلم وتنزع منه بركة العلم ويحرم صواب الرأي وسداد النظر ودقة الفهم (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم)
وإذا اشترى العابد الحياة الدنيا بالآخرة جعل العبادة طقوسا كتب العلم قراطيس فزين ظاهره بالتخاشع وأظهر الورع وطأطأ رأسه وخفض صوته وتمسكن في مشيته ولبس المرقع وتظاهر بكثرة الذكر وذم الدنيا علنا وباطنه خراب يحب السمعة والرياء ويتأكل بعبادته ويطلب الزلفى عند الناس بزهده إذا خلا بنفسه فتر عن العبادة وأحب الشهوات ودأب في جمع المال خفية وبخل بالإنفاق وترك العلم وهجر السنة (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايته) .
وإذا اشترى الحاكم الحياة الدنيا بالآخرة جعل المال دولا وعباد الله خولا يقبل من الدين ما خدمه منصبه ويرفض منه ما تعارض مع بقائه فالحلال من الشهوات ما قدر عليه ووقع تحت يده والحرام ما عجز عن نيله شرعه: ما أملاه عليه هواه ودينه ما أحبته نفسه غضبه ورضاه وحبه وبغضه لكرسيه يسفك الدماء ظلما ويأخذ الأموال غضبا ويقتحم الحدود طغيانا (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين)
وإذا اشترى الغني الحياة الدنيا بالآخرة منع حقوق ماله وكسبه من الحرام وأنفقه في الحرام فيده عن الخير مغلولة وعن الصدقة محبوسة أثقل درهم عليه ما أعطاه فقيرا أو وصل به رحما وأسهل نفقة عنده ما جلب لذته ولبى شهوته لا يتحاشى الربا ولا يتورع عن البيوع المحرمة ولا يراعي أوقات الزكاة ومقاديرها (كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى) .
إذا فكل بلاء في العالم وفساد في الأرض إنما هو من شراء الحياة الدنيا بالآخرة .
فجزاء هؤلاء عذاب شديد عند الله عز وجل وغضب عظيم وعقوبة شديدة وليس لهم ناصر يدفع عنهم هذا العذاب ومن الذين عندهم قدرة في محاربة الله عز وجل ومن للملك دفعا لمن أخذه الله أو يملك نفعا لمن غضب الله عليه؟ ألا فلينجوا امرء بنفسه وليفعل أسباب النجاة قبل أن لا تنفعه وسيلة ولا تنجيه حيلة(فأما من أعطى وأتقى * وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى* وما يغني عنه ماله إذا تردى) . |
|
 |
|
 |
|