|
(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزىٌُ في الحيواة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون)
ما وفى بنو إسرائيل بالميثاق, بل نكثوه بقتل بعضهم بعضا, وبإخراج بعضهم من ديارهم, فهم يحاربون بعضهم من ديارهم, فهم يحاربون بعضهم بعضا, مع أحلافهم الأوس والخزرج, فربما قتل اليهودي يهوديا آخر, وهو محرم عليهم بحكم التوراة, فإذا وقع بعضهم في الأسر, دفعوا فدية لإطلاقه, وهو تناقض غريب يظهر مدى ما هو عليه من اضطراب في الديانة, وسوء في الفهم, وخسة في الطبع, فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
يؤمنون ببعض الكتاب, إذا سهل عليهم, وجر لهم مصلحة, وأدخل عليهم نفعا دنيويا, ويكفرون ببعض الكتاب إذا منعهم من شهواتهم, وحجزهم عن رغباتهم, وثقل عليهم.
يؤمنون ببعض الكتاب إذا كانت القضية لهم, والمسألة في صالحهم, ويكفرون به إذا حكم عليهم, وطالبهم بالحقوق, ووقع في هذه الأمة من شابه اليهود, في إيمانهم ببعض الكتاب, وكفرهم ببعضه, فهم يؤمنون بالكتاب في جزئيات من الديانة, وشعائر من العبادات, لكنهم يكفرون به في المساواة, والحاكمية, والحدود, إلا من رحم ربك, يؤمنون به إذا ساهم في وجودهم, واستمرار معيشتهم, ويكفرون به إذا لحقهم بأوامره الصارمة وحدوده الحاسمة, وإن كتاب الله كل في الإيمان, والعمل لا يتجزأ, يجب أخذه كله, والإيمان به كله, والعمل به كله.
وفي طوائف هذه الأمة : من أخذ بعض الكتاب والسنة ورد بعضها عن عمد أو تأويل فمن الفقهاء من أخذ بالدليل في بعض المسائل ورده في بعضها تقليدا لشيوخه وتعصبا لمذهبه وانتصارا لإمامه ومن الصوفية من أخذ بالدليل في بعض أوراد العبادة والأذكار ورده في مسألة اتباع السنة والنهي عن البدعة ومن الحكام من أخذ بالدين في البيعة لأنه تقوية لسلطانه وفي حقوق الراعي على الرعية لأنه حفظ لحقه وفي تحريم الخروج عليه لأنه أمان له.
ورد الدين في مسألة المال العام وإقامة الحدود على الوجهاء وتحريم أخذ حقوق الناس ومنع الظلم لأن في العمل بالدين هنا إضرارا به وحاشيته على زعمه.
ومن الأغنياء من يأخذ الدين في تثمير المال ونهيه عن الإسراف ووضعه في غير حقه ويرد الدين يوم يأمر بالصلة والصدقة وايتاء ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبالجملة فغالب الطوائف تأخذ شيئا من الدين وترد شيئا إلا من هدى الله من عباده. |
|