|
(والذين أمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)
وهذا جزاء الفريق السعيد الفائز, بعد أن ذكر الفريق الشقي الخاسر, وهؤلاء: هم الذين آمنوا بالله, وعملوا صالحا, فليس للعبد من وسيلة إلى الفوز, والفلاح, إلا إيمان صادق, وعمل صالح, ثم ما عليه بعد ذلك من أ جنس كان, ومن أي نسب وصل, ولا من أي قبيل هو, ولا أي لون لونه, ودائما إذا ذكر الله أعداءه: أهل النار, ذكر أولياءه أهل الجنة, ثم إن هؤلاء المؤمنين لم يكتفوا بكلمة الإيمان, بل قرنوها بالعمل, فصلوا وزكوا, وصاموا وحجوا, وصدقوا وبروا, وأخلصوا وأحسنوا, فهم جديرون برحمة أرحم الراحمين, وسكنى جنة النعيم, فدخولهم الجنة برحمة ربهم, ونزولهم المنازل بأعمالهم, وهو الجمع الصحيح بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله)) وبين قوله تعالى: ((وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)) ثم قال سبحانه: (أولئك أصحاب الجنة) وهي صحبة راضية مرضية, بهيجة كريمة, صحبة كلها سعادة وحبور, ونور وسرور, صحبة كلها أنس وفرح, ومحبة وأمان, ثم هو خلود دائم بلا انقطاع, وبقاء بلا فناء, وحياة بلا موت, ورضى بلا غضب, وأمن بلا خوف, وسعادة بلا شقاء, وسرور بلا حزن, وصحة بلا سقم, ولذة بلا تنغيص, وراحة بلا تعب, جزاء وفاقا لهؤلاء, لأنهم امتثلوا الأمر, واجتنبوا النهي, وصدقوا الخبر, وأحسنوا العمل, وأخلصوا النية, وصدقوا في القول, وهذه طريق الجنة لمن أرادها ورضيها, وهي سهلة على من سهلها الله تعالى عليه.
ولم يذكر هنا المنهيات من المعاصي؛ لأن من آمن وعمل صالحا يجانب المعصية, ويحذر الذنب, ويتوب من الخطيئة, ويستغفر من السيئة, ثم أن المقصود هي المأمورات, وفعل الصالحات, أما اجتناب المخالفات فهي مقصودة لغيرها, ولذلك كان فعل المأمور أعظم من اجتناب المحذور, وخير الناس: من فعل المأمور واجتنب المحذور, والسيء: من فعل المحذور والمأمور, وأسوأ منه: من فعل المحذور, وترك المأمور, فليس للعبد من سفينة أنجى له من الإيمان, والعمل الصالح, ولذلك علق عليها الله الفلاح, والنجاة, والسعادة والرضوان, والفوز, وتوعد من تركها بالخزي والندامة, والنكال والإعراض عنه, والانتقام منه, والإهانة له, وإذلاله, ومقته, وتعذيبه.
وفي الآية: رد على المرجئة: الذين اكتفوا بالقول والاعتقاد في الإيمان, ولم يدخلوا العمل فيه, فالعمل عندهم شيء زائد على الإيمان, وليس من أركان الإيمان عندهم, وهذا خطأ صريح, وغلط كبير, بل الإيمان قول وعمل واعتقاد, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, فمن أراد أن ينصح لنفسه, ويرضي ربه, ويحسن مثواه, فليحقق إيمانه, وليحصن دينه ما استطاع, وليجود عمله ليحظى القرب العظيم, والزلفى الكريمة, والحظوة النفيسة, في مقعد صدق عند مليك مقتدر, ولا يعول على غير الإيمان والعمل الصالح, فمن آمن وعمل صالحا, فهو العزيز بلا عشيرة, الغني بلا مال, القوي بلا رجال, الشريف بلا نسب.
وما دام أن الله علق الفوز, والبشارة, والقرب, والنعيم بالإيمان والعمل الصالح, فيا حسرة من قصر في السير, وتكاسل في العمل, وسوف في العزم, وتقاعس في السعي, ويا ويل من اتبع هواه, وغلبه شيطانه, وغرته دنياه, وفتنته نفسه فضاع عمره, وذهب أيامه ولياليه سدى, وأنفقت ساعاته هدرا, حينها يبين له الزيادة من النقصان , والربح من الخسران , عند الملك الديان, إذا وضع الميزان.
فبادر أيها المسافر قبل فوات الأوان, واجمع الحسنات, وحصل القربات, واكنز الباقيات الصالحات.
عليك أن تنال وسام القبول, وتحمل تاج الفوز, وتدرك غاية الأمنية,ونهاية السعادة, وقمة الفلاح ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). |
|